Misc.

دار العلوم ديوبند: تعريف موجز

توطئة

إن الإسلام دين علم و عمل . العلم بدون العمل كالشجرة بلا ثمر . هذا المبدأ الرئيسي عرفه المسلمون منذ نشأ الإسلام في أمة أمية ، و ألبسوه لباس الحقيقة في تاريخهم الطويل .

فأول مدرسة أسست في الإسلام مدرسة دار الأرقم بمكة على جبل الصفا و الرسول يعلم فيها من آمن من أهل مكة و جوارها ، و فيها أسلم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه . ثم لما هاجر الرسول  إلى المدينة و أقام دولة الإسلام أسس هناك مدرسة أصحاب الصفة .

ثم توالى الزمن و تتابع إنشاء المدارس و تكاثرت الجهود في تعليم الدين و تراكمت دروس الكتاب و السنة ، فكثر العلم و العلماء و انتشر الحكمة و الحكماء .

و ذلك العصر كان العصر الذهبي للإسلام و المسلمين ، و المسلمون كانوا متمسكين بدينهم و عاضين بالنواجذ على شريعتهم .

ثم جاء دور الانحطاط ، فانهارت المبادئ و القيم . و ضعف التمسك بالكتاب و السنة، و جاء الاستعمار و معه عدته و عتاده ، و سفوره و فجوره ، و مكره و غدره ؛ فتدخل الأجانب في شؤون المسلمين و تغلغلوا في سياساتهم ، و أخذوا زمام نظامهم التعليمي ، و ألغوا الأوقاف التي كانت معولة عليها المدارسُ الإسلامية .

و دخل الإنكليز في الهند . دخلوا تجارا بسطاء ، ثم صاروا ثعالب مكَّارة ، فخططوا الخطط ، و نسجوا المكائد ، فتسيطروا على الشؤون الإدارية و أسقطوا الدولة المغولية ، و استوردوا النظام التعليمي العَلماني، و ألغوا أوقاف المدارس الإسلامية ، و حولوا المدارس الإسلامية إلى الكليات اللادينية الهدامة .

فهذه الإجراءات هزت مشاعر ثلة من العلماء العباقرة ، فأدركوا خطورة الأوضاع و الظروف ، و أُلهموا مسؤولياتهم تجاه الأمة ، فقاموا بأدوارهم في توعية الأمة و إيقاظها من سباتها الطويل و رقادها النعيم ، فقام الشاه ولي الله ، و قام السيد أحمد بن عرفان الشهيد و الشاه إسماعيل الشهيد ، رحمهم الله .

تأسيس الجامعة

و لما فشلت ثورة سنة 1857 (سبع و خمسين و ثمانمائة و ألف) أصبح الإنكليز ذئابا ، فلطخوا أيديهم بدماء الأبرياء الشهداء ، و قتلوا مئات الآلاف من المسلمين و أعدموا ثلثة عشر ألف عالم شَنْقا .

و لكن .... الحمية الدينية و الغيرة الإسلامية نار لا تخمُد ، كلما خبت تزداد شعلا ، و كلما يرش عليها الماء تصعد إلى السماء . و العلماء نخبة القوم و صفوة الأمة ، و هم مُنورون بنور الإيمان و ضياء الشريعة ، و علماء الحق لا يخضعون أبدا لعدو ظالم و لا تعنو جباههم لمحتل غاشم ، فأدركوا أن المدرسة هي القصر المشيد و الحصن الحصين ، الذي لا يغلب و لا يحطم .

فاجتمع نفر من العلماء النحارير في قرية ديوبند الخاملة ، و وضعوا حجر أساس الجامعة التي أصبحت بعدها أم المدارس الإسلامية ، و سحبت ذيل النسيان على جامعة الأزهر الشريفة ، و غدت تنير العالم بأشعتها النيرة ، و تبث روح الإيمان ، و تذكر المسلمين بعهودهم الذهبية .

و العلماء الموقرون هم : حجة الإسلام الشيخ محمد قاسم النانوتوي ، و فقيه الأمة الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي ، و الشيخ مولانا ذو الفقار علي ، و الشيخ مولانا فضل الرحمن ، و الشيخ مولانا محمد يعقوب النانوتوي ، و الشيخ مولانا حاجي محمد عابد حسين ، و الشيخ مولانا رفيع الدين .

عندما ينظر أحد إلى وضع الجامعة في أيام ولادتها يحار عقله أنه كيف يمكن أن يصير مثل هذه جامعة شهيرة ، فإن الجامعة حينما أسست في 15 الخامس عشر من محرم الحرام سنة 1283 ثلاث و ثمانين و مائتين و ألف ، الموافق 30 للثلاثين من مايو سنة 1867 سبع و ستين و ثمانمائة و ألف، كانت تحت شجرة الرمان في ساحة مسجد جَهتة ، و ليس لها بناء ، و ابتدأت بمدرس واحد و تلميذ واحد : فالمدرس هو الشيخ ملا محمود و التلميذ هو محمود حسن الذي صار بعدُ شيخ الهند و من أبرز قواد تحرير الهند .

و ما اختتم شهر المحرم حتى صار عدد الطلاب أحدا و عشرين ، و ما انصرمت السنة حتى بلغ إلى ثمانية و سبعين . و بارك الله في الجامعة فاشتهر صيتها في البلاد المجاورة ، فابتدر عطشة العلم من كل فج عميق، لإرواء غليلهم من هذا الرحيق ، فجاؤوا من البنجاب و بنارس و كابل . و في السنة الثانية بلغ الطلاب إلى عشرين و مائة .

و في نفس السنة انتشر الطاعون في قرية ديوبند ، فكادت الباكورة التي أصبحت تفوح تطير في الهواء ، و لكن رحمة الله قريب من المحسنين ، و رغم الطاعون كثر الطلبة الأجانب .

ثم تطورت الجامعة و أصبحت لها بنايات ، و أنشئت دار إقامة الطلاب ، و زخرت المكتبة بالمراجع و المواد . و من الغريب العجيب أن الجامعة حصلت على ما حصلت من المفاخر و المعالي و أدت إلى الأمة الإسلامية من الخدمات الغالية ، و ليس لها أي مساعدة من الحكومة ، و هي منفصلة كل الانفصال عنها، و كل ما يديرها هي تبرعات المسلمين .

و قد أدرك مؤسس الجامعة الملهم حجة الإسلام الشيخ قاسم النانوتوي مضار تدخل الحكومة في شؤون المدارس الإسلامية ، و قد وضع دستور الجامعة على البنود الثمانية ، أكثرها تصرح بإزاحة المدارس الإسلامية عن الحكومة و التوكل على الله ثم على تبرعات المسلمين ، و لما رآى تلك الأصول قائد حركة الخلافة الشيخ محمد ميان بكى لحينه و قال : كأن هذه الأصول ملهمة من الله .

و نحن ندرك مضار تدخل الحكومة في شؤون المدارس حينما نلفت أطرافنا إلى البلاد الإسلامية و لاسيما الأزهر الشريف .

و من الجدير بالذكر أن مؤسس الجامعة كان رجلا عبقريا و قد صنف كتبا في الرد على الزنادقة و المنصرين و المبتدعة ، فكثير من الناس لا يفهمون كتبه إذا قرؤوا ، و ذلك لدقة المباحث و المفاهيم . فمن المضحكات أن بعض الجهال المعاندين قد نسبوا إنكار ختم النبوة للرسول إلى مؤسس الجامعة . و ذلك إن كان لسوء فهم فتلك مصيبة و إن كان لعناد فذلك داء عضال لا دواء له .

إن كنت لا تدري فتلك مصيبة :: و إن كنت تدري فالمصيبة أعظم

و كيف يمكن ذلك مع أن الجامعة تعتقد بعقيدة أهل السنة و الجماعة و تسعى لنشر السنة و قمع البدعة.

خريجوا الجامعة

ثم إن الجامعة لما تطورت شؤونها تخرج منها علماء كبار أسهموا كثيرا في جميع جوانب الحياة ، فتضلعوا بالعلوم الدينية ، و قاموا بالسياسة الشرعية ، و اعتنوا بإصلاح المجتمع و تزكية النفوس و المعرفة و السلوك ، و نشر السنة النبوية و بث العقيدة الصحيحة ، و قلع البدع و قمع الخرافات ، و إزالة الشبهات عن الإسلام ، و الدفاع عن الرسول ، و ما إليها من الأعمال الهائلة .

فالجامعة ما بقيت معهدا دراسيا فحسب ، بل أصبحت حركة جامعية تشمل كافة شؤون الحياة ، و تلعب دورها في النهضة الدينية في شبه القارة الهندية خصوصا و في جميع أصقاع العالم عموما .

و فيما يلي نذكر ثلة من العلماء الذين تخرجوا من الجامعة و لهم دور كبير في الخدمات الغالية تجاه الإسلام و المسلمين :

(1) الشيخ مولانا محمود حسن الديوبندي ، المعروف بشيخ الهند . كان عالما جليلا و ثائرا بطلا ، قام بثورة ريشمي رومال لقلب سلطة الإنكليز ، و لكن لسوء الحظ فشلت الثورة و أجلي إلى مالطة ، و كان يدرس كتب علم الحديث في الجامعة ، و هو شيخ كبار العلماء من أمثال : حكيم الأمة التهانوي و العلامة الكشميري و شيخ الإسلام حسين أحمد المدني ، رحمهم الله .

(2) الشيخ مولانا أشرف علي التهانوي ، المعروف بحكيم الأمة ، كان إمام المصلحين و السلوك ، له مواعظ إصلاحية . و انتشر خلفاؤه في جميع أنحاء العالم فأدوا إلى الأمة خدمات بارزة .

(3) الشيخ العلامة أنور شاه الكشميري ، كان محدثا كبيرا و فقيها لا مثيل له ، له توجيهات و تعليقات على كتب الحديث الشريف . و قد خدم علوم الحديث في بلاد الهند بما لم يسبق نظيره . و انتشر تلاميذه في جميع أنحاء العلوم . و حسبكم عنه قول العلامة رشيد رضا المصري : ما رأيت مثل هذا الأستاذ الجليل .

(4) الشيخ مولانا حسين أحمد المدني ، المعروف بشيخ الإسلام ، كان يدرس في المسجد النبوي الشريف ، ثم جاء إلى الجامعة و درس فيها كتب الحديث ، فتخرج عليه أكثر من أربعة آلاف نسمة و انتشروا في جميع أطراف المعمورة . و قد أسهم في تطريد الإنكليز من الهند إسهاما كبيرا ، و كان له مشاغل سياسية حتى سجن في سبيلها أكثر من مرة .

(5) الشيخ العلامة شَبِّير أحمد العثماني ، و هو أيضا معروف بشيخ الإسلام . و هو عالم كبير قد شرح صحيح الإمام مسلم . و كان من أبرز مؤسسي باكستان .

(6) الشيخ المفتي كفايت الله ، كان مفتيا عظيما ، و سياسيا كبيرا ، و هو مؤسس حزب جمعية العلماء، و قد سجن مرارا .

(7) الشيخ المفتي عزيز الرحمن الديوبندي ، و هو أول من ولي دار الإفتاء للجامعة ، و كان لا يحتاج إلى مطالعة الكتب عند الإفتاء ، و يحفظ النصوص الفقهية عن ظهر قلبه . خدم دار الإفتاء زهاء أربعين سنة .

(8) الشيخ الثائر مولانا عبيد الله السندي ، ولد سيخيا ثم أسلم و التحق بالجامعة ، و صار عالما متضلعا ، و اشتغل بالسياسة و أسس جمعية الأنصار ، و كان مجاهدا باسلا .

(9) الشيخ المفتي محمد شفيع ، كان مفتيا لباكستان بعد قيامها إلى وفاته . و هو عالم متفنن و فقيه متضلع ، و قد صنف تفسيرا للقرآن الكريم المعروف بـ«ـمعارف القرآن» في ثمانية مجلدات كبار . و هو والد الشيخ العلامة محمد تقي العثماني .

(10) الشيخ مولانا المقرئ محمد طيب، المعروف بحكيم الإسلام ،كان عالما جليلا ، و قد أدى خدمة إدارة الجامعة لأكثر من خمسين عاما .

من كبار خريجي الجامعة من بنغلاديش

(1) الشيخ المفتي الكبير العلامة فيض الله ، كان مفتيا أعظم لبنغلاديش ، و كان محدثا كبيرا ، و قد صنف تصانيف كثيرة في الفقه و الحديث ، منها : فيض الكلام .

(2) الشيخ عبد الوهاب ، كان مديرا لأكبر جامعة إسلامية في بنغلاديش، جامعة معين الإسلام هاتْهَزارِي، و كان من خلفاء حكيم الأمة أشرف علي التهانوي .

(3) الشيخ العارف الكبير أطْهَر علي السِّلْهَتي ، كان أيضا من خلفاء حكيم الأمة . و كان سياسيا كبيرا، و قد سعى كثيرا في توحيد باكستان المتحدة ، و لكن لسوء الحظ فشل سعيه ، و اضطهد من قبيل الإرهابيين .

(4) الشيخ العلامة شمس الحق فَرِيد بُوري ، كان مفكرا إسلاميا كبيرا ، و قد صنف كتبا كثيرة باللغة البنغالية، و لم يخدم الإسلام باللغة البنغالية مثله أحد من السابقين .

(5) الشيخ العلامة مُشاهد البايَمْبُورِي السِّلْهَتي ، كان محدثا لا مثيل له في بنغلاديش ، و كان سياسيا كبيرا ، و صنف كتابا في السياسية الشرعية و سماه «فتح الكريم في سياسة النبي الأمين» و له تصانيف أخرى في مختلف الفنون .

(6) الشيخ العارف الكبير عبد الكريم المعروف بشيخ كَوْرِيا ، كان من أجل خلفاء شيخ الإسلام المدني ، و إمامه في الصلاة مدة تتلمذه في الجامعة ، و كان يحفظ أحاديث كثيرة عن ظهر قلبه ، و كان له أيضا مشاغل سياسية.

(7) الشيخ المحدث الكبير نور الدين الجوهربوري ، و كان من تلاميذ شيخ الإسلام ، و كان محدثا كبيرا يحفظ أحاديث كثيرة . و قد أسس جامعة إسلامية في قريته « جوهربور » .

(8) الشيخ العارف الكبير الحافظ أكبر علي ، كان رجلا عظيما ، و كان إماما لجامع شاه جلال و اشتهر بلقب « الإمام » و أسس جامعة إسلامية في قلب مدينة سِلْهِت ، المعروف بجامعة قاسم العلوم ، بجوار مرقد بطل الإسلام الشيخ شاه جلال اليمني ، رحمهم الله رحمة واسعة .

هذه قائمة مختصرة غاية الاختصار ، و إن تكلمنا عن علماء ديوبند بالتفصيل فيمكن أن يستغرق مجلدات كبارا .

من خصائص الجامعة

( هذا القدر ملتقط من موقع الجامعة الرسمي )

1-      إنها أول جامعة إسلامية أهلية في تأريخ المسلمين في الهند، قامت بتبرعات شعبية وسارت ولا تزال وستظل تسير بتبرعات الشعب المسلم وحده.

2-      الاعتدال والتوازن في اتباع المذهب واحترام جميع المذاهب الفقهية المعروفة لدى أهل السنة والجماعة ومدارس الفكر الإسلامية المختلفة، وعدم الإثارة للخلافات الفرعية إلا إذا مست الحاجة إلى ذلك بشكل ملحٍّ لإيضاح حقيقة من الحقائق.

3-      مكافحة البدع والخرافات حتى سُمِّي علماء ديوبند بـ=الوهابين+ من قبل أولي الأهواء وعباد الأضرحة والمعتقدين في الأولياء والصلحاء والأنبياء اعتقادًا محرمًا في الشرع الإسلامي المطهَّر.

4-      نشر العقيدة الصحيحة المتوارثة عن النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق الرعيل الإسلامي الأول من الصحابة والتابعين ومن اتبعهم بإحسان من بعد.

5-      التوكل على الله، والبساطة في العيش، والجهاد للحق، والتقيد بآداب الشرع الإسلامي، والتقاليد الإسلامية، والتزي بزي العلماء، والاتسام بسمة الصلحاء.

6-      المحافظة الكاملة الدقيقة على الشرائع الإسلامية، ولاسيما الصلاة بالجماعة في مواقيتها، فالجامعة تُقَيّدُ طلابَها والعاملين فيها بذلك أولاً وقبل كل شيءٍ؛ لأنه كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه: إن أهم شيء عندي الصلاة فمن ضيعها فهو لما سواها أضيع.

7-      إنها لا تهتم بالشكل والمظهر اهتمامها بالحقيقة والمخبر، وتحترز عن الدعاية، وتؤثر العمل في صمت، وتعمل كثيراً وتتكلم –إذا مست الحاجة إلى ذلك- قليلاً، وتمتنع امتناعًا كليًا عن إطلاق الدعاوى العريضة والأقاويل الفارغة، ولا تحب أن تُحمَدَ بما لم تفعل، على عكس عادة معظم المعاهد والحركات الإسلامية المعاصرة.

8-      إن روح الإخلاص والاحتساب هي التي تسري في جميع أعمالها؛ لأنها تعلم أنه ما كان لله دام واتصل وما كان لغيره انقطع وانفصل. وهذا شيء يلمسه في جميع جنبات الجامعة كل زائر مهما كان رجلاً عادياً.

وقد لمس: ذلك علامة العالم الإسلامي في عصره الشيخ رشيد رضا المصري صاحب تفسير «المنار» لدى زيارته للجامعة فسجل عنها انطباعات رائعة للغاية نبعت من قلبه، قال فيها فيما قال: «ما قرت عيني بشيء في الهند بمثل ما قرت برؤية مدرسة ديوبند. وإني رأيت في مدرسة ديوبند التي تُلَقَّبُ بـ«أزهر الهند» نهضة دينية وعلمية جديدة أرجو أن يكون لها نفع عظيم».

و أخيرا ، دار العلوم ديوبند –كما ذكرنا – ليست هي جامعة فقط ، بل هي حركة دينية و نهضة إسلامية ، و أسست على نهجها آلاف من المدارس في جميع أصقاع العالم .